محمد جواد مغنية

321

في ظلال نهج البلاغة

زمان مثل جاءني بين الطلوعين ، والمكان فهي ظرف مكان مثل جلست بين زيد وعمرو ، ويجوز تكرارها بين زيد وبين عمرو ، ويجب مع الضمير بيني وبينك ، وان قلت : « بين بين » فهي مركب مزجي مبني الجزءين على الفتح ، والأصل بين وبين مثل خمسة عشر أصلها خمسة وعشر ، ولما حذفت الواو جاء التركيب ، وقد تشبع الفتحة على آخرها فتصير ألفا مثل بينا أو تزاد « ما » مثل بينما ، وقيل : الألف و « ما » عوض عن محذوف . المعنى : ( ألا وان الدنيا دار لا يسلم منها إلا فيها ) . قدمنا مرات ان بين الدنيا والآخرة ترابطا وتشابكا ، فما من نعيم أو جحيم في الآخرة إلا وهو جزاء على عمل من أعمال الدنيا ، فمن أحسن فيها فله غدا من اللَّه الحسنى « ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها » اللهم إلا إذا تاب وعمل صالحا من قبل أن يأتي يوم لا تكليف فيه ولا فداء ، ومعنى هذا ان أسباب العذاب في الآخرة وأسباب النجاة فيها كلها قد تجمعت في الدنيا . ولا شيء منها في الآخرة على الاطلاق حيث لا تكليف ولا عمل ، أبدا لا شيء إلا الحساب والجزاء ، واذن فأنا وأنت وكل انسان لا نجاة له غدا إلا إذا ابتعد وسلم ، وهو في هذه الدنيا ، من المظالم والمآثم . ( ولا ينجي بشيء كان لها ) وحدها بحيث لا يرى الانسان فيها إلا نفسه وأولاده ، وإلا همومه ومشاكله ، وهو بذلك في شغل شاغل عن العالم كله ( ابتلي الناس بها فتنة ) . والفتنة هي الأموال والأولاد والجاه وما إلى ذاك من متاع هذه الحياة ، وبالفتنة يتميز الطيب من الخبيث ، وتظهر الأفعال التي بها يستحق الانسان الثواب والعقاب . ( فما أخذ منها ) ينظر فيه : فإن كان لسد الحاجة التي تستدعيها الحياة فهو للَّه وللانسان ، ما في ذلك ريب ، وان كان للتضاهر والتباهي ، وللاستعلاء والطغيان ( أخرجوا منه ) أي مما جمعوا وادخروا حيث يتركونه بالموت القاهر القابر ( وحوسبوا عليه ) . وبعد الحساب حريق وعذاب ( وما أخذوه منها لغيرها ) . أي تزودوا بالصالحات من العاجلة إلى الآجلة ، ومن الفانية إلى الباقية ( قدموا عليه وأقاموا فيه ) انجازا لوعده تعالى وقوله : * ( وَعَدَ الله الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ